| |
|
من
يطيح بزافين؟
|
|
|
في الحلقة الاولى دخلت الكاميرا عمق الشاشة الصغيرة وتحول الاستديو الى كواليس اختبار. في
الحلقة الثانية كانت الجائزة وللمرة الاولى في تاريخ التلفزيون هي البرنامج بحد ذاته. الفائز
:محمد غندور (طالب في كلية الاعلام) يكتب فيما يلي تجربته الاولى امام الكاميرا
|
|
|
الساعة الثامنة مساء.
مطر يهطل بغزارة ، قذائف رعدية ترتعش لها أجسادنا ، وبرد يجتاح عقولنا فيمنعنا عن تخيل ما سيحدث ، تجمع فني هائل ، الملابس مختلفة ، مفردات مستحدثة ، أقنعة حلت مكان الوجوه ، وأفكار لا زالت غامضة ، لا أحد يعرف متى ستنجلي تلك الطبقة الرخامية من الصمت.
وصلنا المبنى الكبير.
كان غاضبا والسماء أيضاً. دخلناه والسماء ما زالت تزمجر وتبصق علينا بعضاً من طوفانها ، المكان هادئ واسع جداً ، استقبلتنا الكاميرات فعاد المكان بالصراخ وعاد المشاركون " للرتوش " النهائي للأقنعة. راحت الكاميرا تطوف علينا فسحبت منا الخجل والحياء وبدأت معها بعض الفتيات بعرض غنجها ودلالها وفرد بساط مفرداتها الملتوية ، والبعض الآخر زاد توتره فوصلت به حال التوتر إلى فقدان السيطرة على أعصابه من زئير تلك الآلة الغريبة.
انتهى وقت اللعب ، حان وقت الجودة.
دخلنا استديو سيرة وانفتحت وما زلنا "يا غافل إلك الله". أربع كاميرات تنظر إلينا باستغراب أو باحتقار لا أعرف. بدأت تتغير ملامح الأقنعة وبدأ الخشوع يسيطر على بعض منا ، مع قدوم زافين تهافتت عليه العيون قبل الأسئلة ، وبعد أخذ ورد توضح كل شيء. مبارزة ستقام بيننا جميعاً للإطاحة بزافين والحلول مكانه لحلقة واحدة والانضمام فيما بعد لفريق الإعداد . تحمس جميع الرفاق زادت ثقتهم بنفسهم تحرك كبرياؤهم.
ستاند باي... توب … بلشنا.
عشرون طالباً كنت من بينهم تم اختيارنا بالحظ لنخضع في بادئ الأمر لاختبار الطلة والحضور. سمح لكل منا التكلم والتعريف عن نفسه لمدة دقيقة واحدة ، العشرون أصبحوا عشرة بعد قرار لجنة الحكم المؤلفة من الطلاب الذين لم يكن حظهم وافراً تلك الليلة. اعتمد الاختبار الثاني على سرعة البديهة وذلك من خلال طرح سؤال على ضيف لم نكن على علم بحضوره أو من هو.
انتهت الحلقة بوصول عشرة إلى النهائيات ومعها بدأت الحرب على العراق.
بعدها بخمسة اشهر اتصلوا بنا من جديد.
حضرنا الى الاستديو من جديد هذه المرة لنتابع مباشرة على الهواء ما حصل في المرحلة الاولى. الان العشرة أصبحوا ثلاثة بعد قرار لجنة الحكم المؤلفة من أربعة إعلاميين نجوم في مجالاتهم هم ميشال قزي ، ريتا خوري ، زاهي وهبي ، وزينة فياض.
مد وجزر بين الأربعة ، لم يحسم القرار.
ترك للجمهور الحق في اختيار مقدمه الجديد ، وطلب مني ومن المتباريتين الزميلتين اديل وجوانا تحضير حلقة كاملة لأن الرابح سيملك الهواء لمدة ساعتين. الموقف يزداد صعوبة علي. كنت منهمكاً في التحضير والعمل على جمع الأصوات ومتابعة الحلم. للحظة شعرت بأن الملائكة تخلت عني ، وأن الجميع نبذني وكأن مكتبتي طردتني من رواياتها. ولكن دعاء من جدتي أرجع لي الثقة كاملة ، وحثني على المضي قدماً للفوز. جدتي أنا أملها. فبعد أن فقدت ابنيها في القصف العشوائي لم تعد تعرف كيف تضحك. كانت معي بروحها وبيديها الخشنتين من تعب السنين ، عمدتني بعبق التراب وقالت: "الله يوفقك". هربت بسرعة خوفاً من أن تفر دمعة أمامها فتلاحقني دموعها.
الحلقة جاهزة.
ولكن الحرب النفسية ما زالت فصولها مستمرة من قبل زافين. كان يهبط من معنوياتي فاشعرني باني لن اكون انا المحظوظ. قلّ نومي وتمزقت شرايين يدي ، سكبت كثيراً من الثلج في أوردتي لأثلج دمي ، اجتزت أزمة الملابس والمستندات المطلوبة ، هندمت ذقني ، ولمعت شعري ، وسرحت حذائي من طبقة غبارية أبت إلا أن تشجعني. حبست كل أنفاسي خوفاً من أية خيانة. التصويت لي بتصاعد ، والملاحظات تكثر ، ودعاء جدتي ما زال مستمراً ، وأنا ما زلت هارباً من دموعها.
الموعد المنتظر... الاثنين الثامنة مساء.
الجو حار ، والسماء موردة ، وحمرة وجنتي متألقة. كل شيء جاهز إلا النتيجة . أنا وجوانا واديل معاً داخل غرفة التبرج ، تمنينا التوفيق لبعضنا ، وانهمك كل واحد بحاله. كنت أول المنتهيين من عملية الزخرفة. رفاقي أتوا لتشجيعي ورفع معنوياتي. قبلة مباغتة من صديقتي كانت كفيلة بإحداث هزة أرضية داخل صدري سحبت كل توتري. قبلة واحدة فقط لا غير أبعدت كل العيون عني وطردت كل شياطيني.
لم أكن على علاقة وطيدة بالتلفزيون.
كان مجرد آلة أرى من خلالها ما يحدث من حولي وأتعرف على النصف الثاني للكرة الأرضية. كنت مولعاً بالجرائد والمجلات والكتابة ، ولكن دخولي وتعرفي عن كثب للتلفزيون أشعرني بأن المتعة تغمر جميع العاملين فيه ، من مقدمين ومعدين ومصورين ومخرجين. فالأشياء مختلفة والتحضير أيضاً. كل شيء أكبر وأروع حتى التعاطي يخضع لاعتبارات مغايرة تماماً عن باقي الوسائل الإعلامية. شعرت أنني أنتمي بالفطرة للكاميرات والأضواء. فما أجمل الرسالة المبعوثة من الروح وهي تصل صوتاً وصورة جميلة للمشاهدين.
الساعة العاشرة والربع.
الاستديو ممتلئ والضيوف منتظرين والنتيجة مبهمة. حاولت إلهاء نفسي بأية صورة أو تفصيل داخل الاستديو كي أبعد عني التوتر. كنت أبتسم دائماً أحدث رفاقي كي لا أركز على النتيجة خوفاً من الارتباك. نحن على الهواء. مقدمة قصيرة لزافين وريبورتاج لنا مع أهلنا. كان أبي واثقاً من فوزي. دقات قلبي تتكاثر وزافين يبتسم ببرودة ويقول للكاميرا: من سيقدم الحلقة بدلاً مني سنعرف بعد الإعلان. تقلصت دقات قلبي ، أنفاسي تصرخ ، تريد الخروج من حبسها ، وأنا ما زلت أتصنع الابتسامة.
عدنا الى الهواء لاعلان النتيجة.
رجعت أعصابي تتشنج ومرت جدتي في مخيلتي: "ما تخاف يا تقبرني" روضت لي روحي ، غمرتني بعاطفة تفتتت لها عظامي ، أرخيت سجيتي للحلم فلم أعد أشعر بالحاضرين ولا بتلك الأضواء الناصعة.
"مبروك محمد".
كلمة هزت كياني. أرجعتني من حقول قمح كنت قد انتهيت من حصادها باكراً ، صرخة مدوية صعقت لها مخيلتي ، إنها جدتي تصرخ لي فرحاً ، وترقص على أوجاعها وعكازها الخشبي بقدمين عاريتين. منذ سنين لم تطلق جدتي العنان لزغاريدها. ترقص وتبكي وتهلل بمنديل حزنها الدائم. صرخات تصاعدت فوق سماء ضيعتي فرسمت الفرحة والفخر لقريتي المنسية في خارطة الوطن.
أنا ملك الهواء.
سأقدم الحلقة الليلة. ملايين من الناس تشاهدني. اعتليت المنصة. أغلقت كمبيوتر زافين لاني لم أكن يومها بحاجة للتكنولوجيا ، بل كنت بحاجة لقبل أمي ودعاء جدتي واستمرار جرأتي. الكرسي مريح. بدأت مقدمتي ببعض الارتباك. العيون كلها علي. أخذت الاعلان الأول على حسابي اذ لم يكن المخرج متوقعاً مني أن أفعل هذا ولكني أخذته لكي أتنفس قليلاً.
سارت الأمور على ما يرام.
وزعت الحديث بين الضيوف والجمهور والمتصلين. تنقلت في الاستديو كما يحلو لي.كنت واقفاً كل الوقت. لم أجلس على الكرسي كي لا أتعود عليها فيصبح فراقها صعباً. كم كانت فرحتي عارمة وأنا أتقبل التهاني من المتصلين أو من قبل كبار الإعلاميين في البلد. كم شعرت بالغبطة حين ناداني كريستيان أوسي: الزميل محمد. أحسست بوجع قص ظهري من شدة الفرح. كنت فضاً في بعض الأوقات مع الضيوف. لكن من شدة الحماس وعن غير قصد. فقدت السيطرة على الحوار في بعض الأوقات ، ولكني أعذر لعدم خبرتي. رنين دائم في أذني من كثرة الاتصالات ، وجدتي ما زالت تبتسم. الكاميرات تلاحقني وأنا هارب بأسئلتي للجمهور. ميشال قزي كان رائعاً معي وريتا وزاهي. زينة فياض كانت تحاول أن تبقى الملكة من خلال طلتها الأخيرة ولكني قاطعتها بشدة وأحياناً بغضاضة.
الساعة الثانية عشرة , يجب أن أختم.
لن أختم ، سآخذ من الوقت ما أريد فلن تتكرر التجربة في القريب العاجل. كانت خاتمتي ارتجالية عبرت فيها عما كنت أشعر به حينها. اتصال مفاجئ قبل أن أختم من زافين لم يكن مقرراً. الصدمة قوية أنا أتلقى اتصالاً من صاحب الكرسي التي لم يفارقها منذ اربع سنوات. هنأني وتمنى لي التوفيق ورحب بي في فريق الإعداد.
تكتلت دموع في عيني ولكني لم أرغب في البكاء على الهواء.
ختمت الحلقة متمنياً تقبلي بالرغم من أخطائي. الكل هنأني وحبيبتي كانت الأسعد. فر النوم ليلتها مني ولم يأتني مطلقاً. تجربة غيرت مجرى حياتي. الكل الآن يعرفني والجميع يستوقفني في الشارع: "مش إنت الي طحت بزافين ؟!"
تفاجأت من كثرت المشاهدين للحلقة.
المعجبون كثروا ، فتيات وصغار وشباب. الكل يوجه لي النصائح والإرشادات. كنت أطلب الانتقاد لأنني أعرف الإيجابيات. انتقدوني على لفظي لكلمة تلفزيون. وما المشكلة سأعمل على تغييرها وتحسين لفظي. كم هو رائع أن يكون لديك معجبون ولكن الأروع أن تحافظ عليهم وعلى هذه العلاقات التي بدأت تنسج مع الوسط الإعلامي. إنها تجربتي الأولى والفريدة من نوعها في العالم العربي.
سأتعلم من أخطائي.
سأركن كل ادعاءاتي وهواجسي وطقوس إشارات بهذه الفترة بعيداً. سأعمل على تسوية ملامحي وتنقية روحي ، سأكثر من انتقاد نفسي ، سأبدل آلامي ، وأزيد ثقافتي ، وأستمر بالحلم.
نظرة
سريعة على المشتركين الاحد عشر الذين
وصلوا التصفية النهائية
|