لبنان... فـلبنان (مقدمة زافين)
اقفلت الستارة السوداء على صباح اليوم التالي لانفجار القنبلة النووية.
العتمة كانت ممزوجة برائحة عفونة كرائحة الملاجئ التي وحدت اللبنانيين طوال
سنوات الحرب.
لا اتذكر اسم الصالة ولكن اتذكر تماما انها كانت شبه خالية تماما كما
المشهد الاول في الفيلم الاميركي.
خرجت من الفيلم وانا اعتقد اني اعيش فعلا الحرب النووية. ولم لا طالما ان
النهاية هي الموت والموت واحد , اكان بنار نووي او طائفي.
استحوذت هذه الفكرة على تفكيري لسنوات طويلة من دون ان اجرؤ على اخبارها
لاحد خوفا من الاحراج , واعتقد انها كانت احد الاسباب التي دفعتني الى الصحافة :
ترى كيف يكون العالم عندما تتوقف الكاميرا... عندما تنطفئ الاضاءة ويغادر فريق
التصوير .. عندما لا يبقى من يخبر؟
من هذه الاسئلة ولدت فكرة هذا الكتاب في لبنان جديد.
كانت البداية الفعلية عندما وجدت في احد ادراجي القديمة مجموعة صور قصصتها
من صحف ومجلات مختلفة خلال الحرب.
هي وجوه امضيت الحرب وانا اجمعها وافكر باصحابها. ترى كيف يعيشون؟ هل
احتجزت حياتهم في صورة ام انها ذاكرتنا احتجزت في لحظة فوتوغرافية خرجوا منها
ومضوا في حياتهم؟
هل تغيروا ؟
هل فهموا لماذا ؟
هل انتهت الحرب... حربهم ؟
وسيل من الاسئلة التي بقيت بلا اجوبة الى ان بدأت رحلة بحث لم تكن سهلة على
الاطلاق.
الساعات الطويلة في ارشيف الصحف والمجلات افضت الى عناوين محتها الحرب
واسماء لم تدخل دليل هاتف بعد الحرب... فلم يكن امامي انا وبعض الاصدقاء الذين
شاركوني هذه الرحلة سوى ان نبحث من شارع الى شارع , من قرية الى قرية , من شقة الى
شقة واحيانا من باب الى باب , عن وجوه باكية او مبتسمة , منتصرة او مهزومة... مجرد
وجوه بلا اسم او هوية.
خلال البحث عن وجوهي الضائعة صادفنا صورا لاماكن لم نكن لنتخيلها بغير ما
هي عليه الان... اضفناها الى المجموعة فكان هذا الكتاب الذي يبدأ بصورة بوسطة عين
الرمانة الشهيرة , اولى شرارة الحرب , وينتهي بالاجتياح الجوي الاسرائيلي عام 1993
الذي وحد اللبنانيين للمرة الاولى حول عدو واحد : انه التاريخ الذي اعتبره النهاية
الفعلية للحرب.
كان ذلك قبل عشر سنوات.
هل شعرنا بعمرنا يمر ؟ سؤال اخر ربما يحتاج الى كتاب اخر.
لا تبحثوا في الصفحات اللاحقة عن توازنات الحرب الطائفية والمناطقية.
فهذا ليس كتاب حرب او كتاب تاريخ او تأريخ.
انه مجرد بحث عن شهود الحرب وابطالها الذين عاشوا فرح اللقاء والم الموت في
سنوات الجنون.
انه بحث عن قصص منسية لن تروى سوى للابناء وللاحفاد في الليالي التلفزيونية
المملة...
انه ربما مجرد محاولة لاستشراف ذاكرة المستقبل.
زافين قيومجيان