"أنا طالب في علم الاقتصاد، أبلغ الرابع والعشرين من العمر، ونشأت وسط
عائلة نصف سويدية ونصف دانماركية في احد احياء السويد النموذ
"أنا طالب في علم الاقتصاد، أبلغ الرابعة
والعشرين من العمر. نشأت وسط عائلة نصف سويدية
ونصف دانماركية في مجتمع سويدي تقليدي".
هكذا أصف نفسي عادة، لكنني أواجه دائما مشكلة واحدة: مظهري مختلف.
من الخارج انا عربي ومن الداخل سويدي.
هل تتخّيّلوني وسط مجموعة من العرب؟ أشبههم لكني لا أعرف كيف أتصرف مثلهم.
قد يكون ذلك مضحكا , لكنه احيانا مؤلم جدا. وهذا الالم لطالما ذكّرني بأن شيئا ما
ينقصني في اعماقي.
عام 1978، كان والديّ لسويديين يحاولان عبثا" انجاب طفل ثان. سمعا عن عائلة
سويدية تبنّت طفلين لبنانيين قبل بضع سنوات. وهكذا بدأ كل شيء.
هذه العائلة عرّفت اهلي على مستشارة لبنانية في مجال التبني وتدعى إدلى شميّل. هي
اليوم مسنّة وتعيش في امستردام، هولندا. ما زلت اتصّل بها من وقت لآخر، لاسيما
لانّها مصدر مهمّ في بحثي.
في اوائل 1979، أبلغت إدلى والديّ السيويديين عن توافر طفل للتبنّي (انا) في
لبنان. فسافرا الى لبنان لبدء الاجراءات. لم يكن لديهما أي فكرة عمّن أكون، مع
انهما سألا ادلى مرات عديدة ولكن بلا جدوى. إدلى رتّبت كل المعاملات في وقت سابق
للحصول على الموافقة للتبني. وبما انها معتادة على تأمين الاطفال اللبنانيين للاهل
الاسكندينافيين، فان الاجراءات كلّها ( جمع وثيقة الولادة، الشهادة الصحية،
الوثائق القانونية...) جرت بسهولة وتسلّمني والديّ في غرفة الفندق الذي كانا
يقيمان فيه.كنت في شهري الخامس أو
السادس.
عندما بلغت السادسة عشرة من عمري، توفّيت أمي بالتبني بمرض السرطان. وتحوّلت
حياتي. وكنت بالطبع أفتقد جدا" للام التي لطالما كانت الى جانبي. وهكذا تولد
في داخلي شعور قوي للبحث عن جذوري وعن والديّ الطبيعيين.
بدأت البحث عندما بلغت الثامنة عشرة، وكانت الاسئلة تتسارع الى ذهني خشية من أن
أصل الى طريق مسدود: ربما قضى والديّ خلال الحرب؟ ربما تمّ خطفي وبيعي للغرب؟ ربما
يبحثون عني؟ ربما لا يريدون أن يتذكّروا شيئا" عني؟ كثرت الترجيحات وغابت
الاجوبة.
وخلال بحثي (قمت بزيارة الى بيروت في أواسط التسعينات)، سمعت عن برنامج تلفزيوني
في لبنان قد يساعدني. لم يكن لديّ سوى عنوانا" على الانترنت، فشعرت بالامل
بعد طول يأس.
راسلت زافين لاوّل مرة في أوائل العام 2001. لم اتلقّ أي جواب. فاستعنت بصديقة لي
تدعى زينب لتراسله وتشرح له ايضا" الوضع. فقدت الامل في الحصول على أي ردّ
لكني واصلت المراسلة.
بعد حوالى ستة اشهر على رسالتي الاولى، تلقيت اتصالا" هاتفيا"
مفاجئا" من زافين. كانت لحظة لن أنساها في حياتي. على الرغم من انه لم يعطني
الكثير من الامل لمشاركتي في برنامجه، بقينا على اتصال بفضل الانترنت.
كنت أحتفل في كل مرة أجد فيها رسالة منه في بريدي الكتروني. وأصبحت هذه اللحظات
خطواتي الاولى الناجحة في بحثي، إذ كنت أحاول أن أقنع زافين بأن ينقل قضيتي الى
شاشة التلفزيون.
قال لي زافين مرة: " لا تدع لحظة بيولوجية عابرة تفسد حياتك. احتفل بما لديك.
يكاد يستحيل التوصل الى نتيجة مع المعلومات القليلة التي لديك. فالكثير من الامل
قد يفسد
حياتك ".
واصلت الكتابة. على الاقلّ كنت أشعر بأنني أبذل جهدي لاسترعي انتباهه. وكانت
أجوبته تأتي متأخرة أحيانا.
وذات يوم، عندما كنت في الجامعة، وصلتني رسالة إلكترونية من زافين يطلب مني فيها
أن اتصّل به في أسرع وقت ممكن. قال انه أضاع أرقامي. ففعلت ما طلبه.
قال: " اميل. لديّ فكرة مجنونة. أريدك ان تأتي الي بيروت وتشاركني في
البرنامج ". لا يمكنني ان أصف الشعور الذي امتلكني. مرّت كل حياتي أمام
عينيّ. أخيرا نجحت! ومع أن زافين قال لي أن القرار النهائي يعتمد على موافقة ضيفة
إماراتية أخرى، اتّصلت بكل اصدقائي وعائلتي فورا". وحتى أنهم بدأوا بإعداد
حقيبتي! وعليّ الاعتراف بأنني لم أنم تلك الليلة.
حدّد موعد البرنامج في 23 كانون الاول / ديسمبر (وهي حلقة خاصة بعيد الميلاد).
فاكتملت فرحتي بأفضل هدية يمكن أن أحصل عليها.
في 19 ديسمبر / كانون الاول، تركت ورائي شتاء السويد البارد لالتقي بأشخاص لا
أعرفهم من قبل، في بلد بدأ يعني لي الكثير.
كان في انتظاري في المطار أشخاص لطفاء. أما لقائي الاول مع زافين تلك الليلة، فكان
رائعا".
بين الاستعدادات الضرورية للحلقة والزيارات التي قمت بها لبعض الاماكن التي سمعت
عنها خلال بحثي، استمتعت برفقة زافين وزوجته لوري عدة مرات: تناولنا العشاء
معا" وذهبنا الى السوبرماركت للتبضّع للعيد. وبسرعة شعرت أنني وجدت
شقيقا" وشقيقة.
" ارجوك اميل لا امال كبرى " كان زافين يذكّرني طوال الوقت، فيعيدني الى
الواقع. الاثنين 23 ديسمبر: ظهرت في البرنامج مباشرة على الهواء في بيروت. ومع أن
الحلقة تضمّنت قصصا" أخرى لضيوف آخرين من لبنان والامارات وافريقيا الوسطى،
شعرت انني حظيت بقسط لا بأس به من الحلقة. فقد أخذت كل وقتي في التعبير عن مشاعري
الداخلية.
كانت الحلقة مؤثرة جدا". حتى أن الحضور بكى في فترة معينة... بما في ذلكزافين. حاولت أن أبقى قويا" لاستغلّ
كل لحظة كانت لي على الهواء. قلت إنني سعيد وإنني في لبنان لاعطي اهلي الطبيعيين
فرصة لايجادي إذا ما كانوا يبحثون عني.
عندما اعلن زافين نهاية الحلقة، لم أستطع تمالك نفسي، فانهارت دموعي. فأخذني زافين
بين ذراعيه وبكينا معا". لن أنسى ابدا" هذه اللحظة.
بعد الحلقة، تناولنا أنا وزافين الطعام منتصف الليل في الفندق. وكان ذلك بمثابة
عشاء عائلي ميلادي. وعندما غادر، بقيت وحدي في مدينة تمنيت أن أعرفها أكثر. لم
استطع النوم طوال الليل. كان علي أن أستقل الطائرة صباحا" للعودة الى السويد
لقضاء عيد الميلاد مع عائلتي.
حدث كل ذلك وكأنني في حلم. لم أشعر أنه حقيقة الى أن شاهدت نفسي على شريط الفيديو
في السويد.
وما زلت أنظر في ردود الفعل التي تبعت البرنامج. وأتمنى لو أن ظهوري على التلفزيون
قد ألهم الاولاد المتبنّين والاهالي الذين يتألمون لخسارة اطفالهم في كل العالم
العربي.
هل سأجد والديّّ اللذين انجباني ؟ اللذين رزقا بطفل محظور ؟ اللذين ماتا وتركاني
وحيدا ؟ اللذين لم يتمكّنا من إعالتي ؟ اللذين كانا يبحثان عمّا هو أفضل لطفلهما ؟
على الارجح لا.
هل كنت أتوقّع أن يتّصلا ؟ لا أعرف.
هل كانا يشاهدان التلفزيون ولم يعرفا منأنا ؟ هذا ما لا أتمنّاه.
هل سأتمكّن يوما" من أن أنظر في عينيّ أولادي وأقول لهم من أنا ومن لست أنا؟
لا أعرف... لكني أعرف بالتأكيد أنني سأقول لهم أنني بذلت كل ما بوسعي!