زافين قيومجيان وقع "لبنان... فلبنان"

"لـبـنـان... فـلـبـنـان" لـزافـيـن كـتـاب الـحـرب وتـحـولاتـهـا فـي صُــوَر

زافين يعيد فتح سيرة الحرب بالصورة المقابلة!

About the book in English

About the book in Chinese

جسر البربير في 4 تموز 1989 ... وفي 4 تموز .2002

علي رضا مع ابنه في 15 ايلول 1989 ... وفي 15 ايلول .2002

المدينة الرياضية في ...1982  وفي 2002

بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان ...1975 وفي 13 نيسان .2002

زافين قيومجيان وقع "لبنان... فلبنان"

صور مزدوجة لوجوه عاشت الحرب

رائع ان تقصد وسط المدينة من اجل كتاب علّ المتخوفين من بهرجتها يدركون ان من قوت الناس كتاباً وليس فقط الطعام.

في مكتبة البرج، بوسط بيروت، تحلقت امس وجوه نجوم دخلت المنازل عبر الشاشة الصغيرة ونجوم من نوع آخر كانت وسيلتهم ايضاً هذه الشاشة. هم النجوم السياسيون. تحلقوا حول زافين قيومجيان معدّ برنامج "سيرة وانفتحت" ومقدّمه الذي وقّع كتابه الصادر عن دار النهار للنشر "لبنان... فلبنان" وبالانكليزية Lebanon shot Twice، وفي العنوان الاخير لعب على الكلمات يفسرها الكتاب بصوره  القديمة زمن الحرب، لبنان بعد منتصف السبعينات والثمانينات والتسعينات وصولاً الى الالفية الثانية.

هي الحرب المعادة بالصورة الى الذاكرة والحاضر في صورة جديدة ملوّنة التقطتها عدسة حياة قرانوح الفائزة بجائزة الالعاب الفرنكوفونية الخاصة عام 2001 في اوتاوا (كندا) على كتابها المصور "وتبقى الابتسامة".

وهي ابتسامة مع الصور الملونة التي اختارها زافين للاماكن ذاتها امام صور التقطتها عدسات مصورين صحافيين، وفي الغالب الوجوه ذاتها، وهذا ما ميّز الكتاب لان فيه تقصياً لاخبار وجوه في احداث الحرب، تساءل زافين عن سماتها اليوم مع مرور السنين وتغيّر الظروف المحيطة. ثمة وجوه كبرت، وثمة آلام لم تتمكن الالوان ولا الازمنة من محوها تبرز في عيون اصحابها الذين شهدوا مجازر مروّعة امام اعينهم ونجوا منها باعجوبة. ثمة المقاتل المتباهي، ثمة القناص المتربص. ثمة علامات لم يتمكن الزمن من محوها. وثمة علامات اخرى طويت صفحاتها بنعمة النسيان او بالايمان او لضرورة الاستمرار بالحياة.

الكتاب ليس بحثاً في الحرب اللبنانية ولا حتى تأريخاً لفيلم معاد فوتوغرافيا. ليس ثمة وجهة نظر حيال الحرب، سياسية او فكرية، صور بتراكيبها تُظهر فضولاً ما، اسئلة عن الاشخاص والاماكن، بعيداً عن الاسباب. البداية اتت مع بوسطة عين الرمانة الشهيرة والصورة الاخيرة في زمنين لجامع وكنيسة في وسط بيروت تم ترميمهما فبرزت امام الصورة القديمة الصورة الجديدة.

امس، بدت مكتبة البرج في مكانها الطبيعي، واجهة جديدة حافظت على قديمها. ففيها تعرض منحوتة تمثل رأس الفيلسوف ارسطو الذي وجد خلال الحفريات الاثرية مكان مبنى البرج، تطلّ على واجهة مبنى لم ترمم بعد في شارع فرعي مبلّط، تتقاطع اصوات روادها مع جرس الكنيسة ومئذنة الجامع.

قد يوقع الاعلامي زافين قيومجيان كتابه في امكنة اخرى، انما مما لا شك فيه بالنسبة الى الذين تصفحوا الكتاب في الطبقة الاولى من المكتبة قبل التوجه الى توقيعه في الطبقة الثانية، ان هناك شعوراً لا مفر منه في طريق العودة، لكأن الصور تتتابع، وتخرج من دفتيه حيث الحرب والحياة حيث ألف سؤال لم يُطرح بعد، الى ملامح لذكرى حرب وحياة، صور تجمد اللحظات، لحظات الخيبة والفجيعة ولحظات الامل. هي قصة قصيرة بدأت بفضول ما وانتهت برسم الالوان واضوائها. وفي المقدمة كتب زافين: "لا تبحثوا في هذا الكتاب عن توازنات الحرب الطائفية والمناطقية (...)". انما فاته ان "السيرة انفتحت".

من الحضور في حفل التوقيع الرئيس امين الجميل، وله صورتان في الكتاب احداهما (القديمة) بالاسود والابيض تجمعه وشقيقه الرئيس الراحل بشير، وقد افاد كثيرون من حضوره للحصول على توقيعه على الكتاب. كذلك حضر وزير الاعلام ميشال سماحة، ووزير الشباب والرياضة سيبوه هوفنانيان والنواب بهية الحريري التي مثلت الرئيس رفيق الحريري، ونبيل دو فريج وسيرج طور سركيسيان وبشارة مرهج وباسل فليحان وجان اوغاسبيان، ورئيس الرابطة المارونية الوزير السابق ميشال اده والنائب السابق جميل شماس، والسفير خليل مكاوي وسفير لبنان في تشيلي مراد الجمّال وغسان تويني وشادية تويني وناشر "السفير" طلال سلمان ورئيس تحرير مجلة "الافكار" وليد عوض ومستشار العلاقات الدولية في حزب الله نواف الموسوي والزملاء سمير قصير وزاهي وهبي وميشال قزي، ووالد زافين ووالدته، ووجوه سياسية واعلامية واجتماعية.

أعلى الصفحة

"لـبـنـان... فـلـبـنـان" لـزافـيـن قـيـومـجـيـان كـتـاب الـحـرب وتـحـولاتـهـا فـي صُــوَر

وجـوه مـتـقـابـلـة بـيـن زمـنـيـن وذاكـرة تـطــفـو ضـدّ الـنـســيـان

تكفي صورة فوتوغرافية في زوايا درج عتيق لتعود الذكريات بكل حلوها ومرّها، فكيف لو وقعت اليد على رزمة من صور أيام زمان، فأيّ كمّ من المشاعر، وأيّ حفنة من الأخبار أو بقايا مجريات في ذاكرة العين، وكُلها مثل نتف من شرائط سينمائية لها طعم الرماد الذي تحته جمر. ومثل هذه الوفرة في العواطف يترك إرباكاً في الضمير اختبره الاعلامي زافين قيومجيان حين كانت يداه ذات يوم تعبثان في أوراق قديمة يحتفظ بها مذ جمعها صورة صورة والحرب حوله. كثرت عليه وفيه الاسئلة عمّن هم ناس هذه الصور، ولم يبق عارفاً أستبقى هذه الصورة او تلك، رغم أنه كان لحظتئذ واثقاً من ان للصورة معنى خاصاً لالتصاقها بالوقائع التي بدت له محرّضة على أرشفتها عندما قصّها من صحفها. والآن، ومن جديد الصور هنا، عدوانية ومحايدة في آن واحد، تفتح النوافذ والابواب على ماض يعمل  الجميع على محو كل أثر له، تنادي على وجوه تصدّرت وغابت، وعلى مرويات من دمار وموت، وعلى مناظر كالتي تعلق في الذاكرة كالكوابيس. لكن زافين قيومجيان يعيش بعض ذلك، كأن الصور تروي من بعيد افقدها الزمن بعض لهيبها، أي بعض معناها كراوية بالابيض والأسود أحداثاً تفجّرت على خطوات من هنا، ولناس قد يكونون مرّوا من هناك، في حيّ في مدينة في بلد تحت النار.

ويحدد زافين قيومجيان جمعه هذه الصور الفوتوغرافية القريبة من المئة عدداً بأنه "قصّها من صحف متعددة" وبأنها "لوجوه أمضيت طفولتي وأنا أجمعها وافكر في اصحابها"، يقول في مقدمة الكتاب الفريد في المحتويات، والصادر عن "دار النهار للنشر" تحت عنوان "لبنان... فلبنان" (240 صفحة من القطع الكبير). وسؤال في هذه المقدمة: "ترى كيف يعيشون؟" يقود تواً الى الدخول، من دون عناء، في صلب كتاب بناه واضعه على مواجهة وجودية (بالصورة ومروياتها) بين ناس استوقفوه ذات يوم بالاسود والابيض على صفحات الجرائد، وصورة هؤلاء اليوم لا يزالون أحياء، وهذه المرة بالالوان، وضمن الأطر ذاتها التي وجدوا فيها قبل سنوات في الازمنة الاكولة. ومن هذه المواجهة بين زمنين في مدينة كأنها المدينة نفسها، وبين وجوه كأنها عينها مع تراكم العيش في ملامحها، يستمد كتاب قيومجيان نبضاً قصصياً كالذي يكتفي بالقليل المكثف، صورة قبالة صورة، يروي حكايات حرب وموت، وبعض نهاياتها سعيدة. ويبقى مثل رماد في أعماق عين مسكونة، وإن أرادت النسيان، بالذكريات المفجوعة بصور سوداء بيضاء كالفحم بعد حريق. وهي تلك الصور الرمادية تدفع جامعها بعد زمن طويل الى مساءلة نفسه: "هل أُحتجزت حياتهم في صورة أم أنها ذاكرتنا إحتجزت في لحظة فوتوغرافية خرجوا منها ومضوا في حياتهم؟".

 

محتوى الكتاب

يمكن ربما اختصار كتاب "لبنان... فلبنان" بعبارة لمؤلفه: "(...) البحث عن وجوهي الضائعة"، قبل أن يحدد على نحو اكثر مباشرة فحوى مشروعه بأنه "مجرد بحث عن شهود الحرب وأبطالها الذين عاشوا فرح اللقاء وألم الموت في سنوات الجنون". ولتأكيد الطابع الخاص لمشروعه يقول "إنه بحث عن قصص منسية لن تروى سوى للابناء والأحفاد في الليالي التلفزيونية المملّة"، كمن يرغب في محو الكوابيس ممن مرّوا إما اختياراً او صدفة في جهنم، وخاصة أن الارتحال وراء "عناوين محتها المعارك وأسماء لم تدخل دليل الهاتف بعد الحرب" غطّت بظلال كثيفة صفحات كتاب "(...) ليس كتاب حرب او كتاب تاريخ او تأريخ(...)"، يقول زافين قيومجيان.

والغريب في الأمر أن كل ذلك موجود في ركائز "لبنان... فلبنان"، ومن ثم في كل صفحة من صفحاته الملوّثة بالعنف القاتل الذي له دور المدخل الى المقلب الآخر المعقود على طراوة الوان تزيّن حاضراً بالنسيان. وأنجزت هذا الجزء من الصور الفوتوغراف حياة قرانوح التي على ما يبدو من نص كتبته اخذت علماً بأن "الارض التي كانت مسرحاً للدماء والرعب استعادت دورها وميزتها الحقيقية بفضل اعادة الإعمار"، قبل أن تشير صراحة الى شعور قوي سكنها. أمام "الوجوه التي كانت ضائعة"، وقوامه أن "خلف الوجوه يختبىء ألم عميق لا يمكن نسيانه، فلا يمكن المرء ان يستأنف حياته بعد محن مماثلة (...) صور هي مساهمتي المتواضعة في اعادة تشكيل النسيج الاجتماعي اللبناني" كما تقول قرانوح في ختام مقدمتها.

واذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه كما يقال، فمحتوى "لبنان... فلبنان" يعرّف لمحتواه من الصورتين على غلافه الخارجي، فاثنان من المقاتلين الخمسة الموثقين بالاسود والاسود في الاولى (من 1982)، هما موضوع الصورة بالالوان التي تم التقاطها لهما في أيلول 2002 بعدما عثر عليهما زافين قيومجيان وفريقه. والصورتان تؤلفان مجتمعتين شبه سيناريو ثابت لقصة درامية تكتسب رماديتها من جلوس أحدهما على كرسي خاص بالمقعدين، ومن غياب ثلاثة وجوه من الخمسة، مما يترك المجال الروائي مشرعاً على كل احتمالات الخيال. ومن هذه الزاوية يتزيّا كتاب "لبنان... فلبنان" ببعد لا يخلو من اللبس لأن فيه من ناحية عرضاً واقعياً لقصص حقيقية ولناس حقيقيين ولأحداث حقيقية، ولكل من هذه القصص عناوين ثابتة، الى كونه من ناحية أخرى، يدعو مطالعه بصرياً الى تصوّر ما يرغب فيه من تفاصيل خرافية وبحسب ميوله وحبّه للحكايات، وخاصة ما تأتي به الصورة الفوتوغرافية من تحديد موضوعي لمروياتها ومن إيحاء حر بما يتخيله مطالعها من أشياء خارج إطارها: "الصورة الجامدة تترك فينا أثراً الى الأبد، تسكن ضمائرنا وتستحوذ على خيالنا (...)"، تقول الفوتوغراف حياة قرانوح في مقدمتها حيث تضع تصوراً لمساهمتها في الكتاب. وصفحتان بعد صفحتين، ولكل صفحتين مروياتهما، صفحة لتعيد المأساة الى سطح الذاكرة وصفحة لتدل على أن هناك أيضاً نهايات سعيدة رغم كل أشكال المأساة، ويغرق مطالع كتاب زافين قيومجيان وفريقه (حياة قرانوح، إنما كذلك كريم فخري ورامي فياض) في بحر من مجريات ظن مرّة أنه تجاوز انفعالاتها، ويكتشف فجأة أمام صورها انها معشعشة في خبايا عينه وبواطن ذاكرته وتكفيه صورة لتطفو من جديد على سطح ضميره.

 

بيروت... فبيروت؟

ويأخذ هذا الكتاب بالنسبة الى مطالع صوره الفوتوغرافية معنى تصفّح ذكرياته عند العناوين الرئيسية لحروبنا الصغيرة التي ما برحت أصداؤها تطنّ في ضمائر أبطالها وضحاياهم. ولمن عايش أحداثها فهي كالجرح الساكن مرحلياً، تهب فجأة عند أصغر مناسبة كأنها في تأهب دائم لتؤنب أو تؤذي أو تطمئن. وبعض الصور في "لبنان... فلبنان"، أي في لبنان أزمنة الحروب ولبنان أزمنة السلام الامني، بعض هذه الصور تطلّ كمختصر عنيف للمحطات الرئيسية لأيام بدت كأنها لن تنتهي. ومن الكرنتينا والقنطاري والفنادق والمصارف والمتحف، الى وسط بيروت والاشرفية وبرج المر وبشير الجميل ووليد جنبلاط وفيليب حبيب، فالى بيصور وحرب الجبل وبربير - المتحف والسيارات المفخخة والسوريين في لبنان وحرب الجيش - القوات اللبنانية وانفجار الجامعة الاميركية، وفي المقابل الوجه الملون لكل ما جاء تدوينه في الصور الرمادية والتي هي بوجودها في الكتاب تنقذه من لعب دور التذكير مرة أخرى بمأساة يرغب الجميع مبدئياً، في تجاوزها. وللبعض من هذه الصور وقع خاص مضاعف منه الوجه الآخر الحالي والذي كأنه وجه آخر للانسان عينه. هذا اذا لم تتبدل ملامحه بالكامل، ان ظهر بعمر صغير هنا وكشاب او رجل في الصورة التي تقابلها. والاكثر تعبيراً في المجموعة صورة المقاتل الذي يلاعب ابنه ابن السنتين وقربه رشاشه الثقيل تواجهها صورة الاثنين في مرحلة السلام الامني. انما يلفت كذلك غياب عام - ما عدا اسثتناءات قليلة جداً - للاحداث خارج العاصمة، ولا ذكر لأحداث الدامور وقرى شرق صيدا وضهور الشوير ومخيم الضبية، الخ... مما يكاد يعطي محتويات الكتاب طابع حصري بسردها للوقائع في العاصمة. ويصح عندئذ عنونته بـ"بيروت... فبيروت".

***

وكتاب "لبنان... فلبنان" ذكي الفكرة وعقلاني البنية وبسيط الشكل وواضح المُبتغى وسهل المطالعة بالعين وغير قابل لما فيه من مرويات ليكون مشغولا للفرجة. والمئة صورة المنتقاة لصنع محتواه/ يقابلها مئة صورة بالالوان وكالصدى الايجابي لها - أجد صعوبة في كتابة "كالصدى السعيد لها" - تبرز لمن يقترب منها في فضول، مجريات تكتب في احساس قوي فصلين من خبر وتتمته يرويان على المكشوف احداثاً قيل الكثير عنها وفيها، كأنما لم يقل اللبنانيون عنها بعد كل ما في بواطنهم.

ومن هذه الزاوية يطل "لبنان... فلبنان" كخطوة جريئة على الطريق الصحيح.

أعلى الصفحة

زافين يعيد فتح سيرة الحرب بالصورة المقابلة!

الانطباع الاول عن زافين قيومجيان خادع: يوحي اليك بأنه <<بريء الى حد السذاجة>>، وبأنه يمشي على <<سطح>> الاخبار ويتجنب التوغل في دلالاتها الفعلية، وأخيرا بأنه <<منصرف عن السياسة>> لا تعنيه بقليل او بكثير. أما حين تعرف زافين عن قرب فلسوف تكتشف فيه مواهب عدة، وأفترض ان العديد ممن أطلوا معه عبر برنامجه التلفزيوني الناجح <<سيرة وانفتحت>> قد اكتشفوا متأخرين انه قد استدرجهم <<ببراءته>> الى حيث لم يكونوا يقدرون، وانه قد استنطقهم فجعلهم يقولون ما كانوا يفترضون انه لا يقال ولا يجوز ان يصدر عنهم! ببراءته الساذجة الى حد الجرح، وبدأب النملة، وبالطرافة التي اشتهر بها، أعد زافين قيومجيان مع عين مرهفة الحساسية بالثقافة اسمها حياة قرانوح، مجلدا شهادة ضد الحرب الاهلية أعطاه عنوانا <<زافينياً>>: <<لبنان... فلبنان>>! الكتاب لا يؤرخ للحرب الحروب، بل هو <<بحث عن شهود الحرب وأبطالها الذين عاشوا فرح اللقاء وألم الموت في سنوات الجنون>>! هل يخطر ببال أحد غير زافين ان يبحث عن مصير <<بوسطة عين الرمانة>> الشهيرة التي تُعتبر عنوانا للرصاصة الاولى التي فجرت الحرب، والى من انتهت ملكيتها، وصاحبها الحالي الذي <<ينتظر ثروة من بيع ما تبقى منها>>؟! الصور ناطقة بالمقارنة: هكذا كانوا، او هنا كانوا، وهكذا وهنا صاروا، والمسافة حكاية تختلط فيها الاوهام الدموية بالفواجع السياسية، وتقتتل فيها الدول عبر المقاتلين السذج والقيادات المتورطة والسلاح الذي ينتقل من خدمة هدف الى خدمة نقيضه بلا مراجعة او محاسبة. 10 تشرين الاول 1975، المجزرة الاولى في الكرنتينا: /270/ قتيلا وزكريا عمشة احد قلائل الناجين يجلس اليوم في مسرح المجزرة الذي بات الآن <<مرقصا>> شهيرا، وقد قرر ان ينسى صورته الاولى في المكان نفسه قبل 26 سنة وأمه ترجو المسلحين ان يسمحوا لهما... بمغادرة ساحة الموت. السبت الاسود: الرجال والنساء في صفوف منتظمة، الوجوه الى الجدار والأيدي فوق الرؤوس، في انتظار القرار بالاعدام... ثم صورة الجدار ذاته وعليه اعلان لمتذوقي كماليات الجمال في حياة معاصرة. تابوت متروك لعاصفة الموت، وقد هرب المشيعون: انه جثمان المدير العام لوزارة المالية المرحوم خليل سالم. وفي التاريخ ذاته ثمة من يتذكر فيجيء مع الفجر ليضع إكليلا من الزهر، استذكارا وتحية لمن رحل بغير وداع. في المصرف المركزي: الحاكم الجديد يقف امام <<الكرسي>> الذي لم يغادره ابدا سلفه <<المحافظ>> على عملة البلاد، ادمون نعيم، والذي حول المكتب الى <<متراس>> لا يخترقه رصاص اللصوص الصغار، لكن اللصوص الكبار <<سرقوا>> ثروة البلاد والعباد بوسائل لا تنفع في صدها أكياس الرمل وشجاعة المؤ