عوارض العشّ الفارغ

- حلقة عائلات فرع اول : اراء وتعليقات من حول العالم

  

جرت العادة في أدبيات التلفزيونات اللبنانية والعربية أن تناقش مسألة الهجرة من باب انعكاساتها على الوطن إن من الجهة السلبية أو من الجهة الإيجابية من حيث إرسال الأموال ودعم الإقتصادات الضعيفة وإعانة العائلات المعتازة.

لكن معالجة المسألة من باب انعكاساتها على الأشخاص أنفسهم تختلف. الدكتور باسكال رعد يؤكد أن 30 في المئة من النساء اللواتي يتعالجن في عيادته يعانين من غياب الزوج بسبب الهجرة و15 في المئة منهنّ يعانين من غياب الأولاد، أي ما يعادل نصف النساء اللواتي يذهبن الى عيادته (وربما الى العيادات النفسية بشكل عام) في لبنان يعانين من الهجرة.

تقديرات ولا إحصاءات

يعتقد رعد، نسبة لتقديراته، أن نصف العائلات اللبنانية لها علاقة بشخص مهاجر ان من قريب او من بعيد، في غياب الإحصاءات الرسمية. لكن التقديرات تشير الى ما يزيد عن 10 ملايين لبناني مقيمين خارج لبنان، والتقديرات في السنوات الثلاثة الأخيرة تشير الى هجرة 150 الف لبناني سنويا، أي بما معدّله أكثر من 400 شخص يوميا.

الأمر الذي يهدد التركيبة الديمغرافية من جهة، ويهدد التوازن بين الاناث والذكور من جهة أخرى، لأن النسبة الأكبر من المهاجرين هم من الذكور، رغم أنّ هجرة الإناث، وحدهن من دون أهلهنّ، تزايدت في السنوات الأخيرة مع التطور الإجتماعي من جهة وتطور المواصلات من جهة أخرى.  

على مواقع الانترنت هناك الكثير عن "غياب الزوج عن المنزل"، وتداعيات هذا الغياب، لكن ليس بسبب السفر او الهجرة بل بسبب السهر خارج المنزل او الجلوس في الاستراحات والمقاهي. وغالبا يكون الحديث عن آثار سلبية ترهق الزوجة بالمسؤوليات الكثيرة وتؤذي الأطفال في غياب ممثل السلطة عن يومياتهم.

العائلة الناقصة

لكن لا يوجد الكثير مما يعالج مسألة غياب الزوج بسبب الهجرة. هنا يسأل باسكال رعد عن انعكاس الغياب على الزوجة والأولاد، مشددا على أن المشكلة الأبرز هي في غياب ممثل السلطة الذي يفرض النظام والقانون في المنزل، أو ينظم ويحمي القوانين التي تفرضها الأم. ويصير لزاما على الأم أن تلعب دورين، دور الأم الحنونة اللينة، ودور الأب ويجب أن تكون فيه القاسية التي تستطيع فرض العقاب واعطاء الثواب.

يلفت هنا الى ان الزوج المهاجر، حين يعود من السفر لأسبوع أو اثنين، يمضي الوقت في تغنيج الأولاد والتنزه معهم وإعطائهم صورة جميلة عنه، في حين تتحول الوالدة، في هذه الحالة، الى شخص مزعج يفرض القوانين ويعاقب. وهذا برأي رعد خطير، لأن على الوالد أن يذكر الأطفال بأنه الوالد وليس ضيفا فقط، من خلال الاستماع اليهم ومعرفة أحوالهم وأخارهم ومشكلاتهم. وفي الوقت نفسه لا يستطيع هذا الوالد أن يفرض سلطته في أسبوعين، حيث أنه اذا منع ولدا من القيام بعمل ما قد يقول له الولد: "ماما بتخليني".

اختلاف الأعمار

وهنا تختلف المسألة مع اختلاف الأعمار، حيث أنه قبل العاشرة تستطيع الأم أن تفرض القوانين على الأطفال، ويكون هذا العمر هو الأكثر مناسبة لهجرة الزوج الوالد، أما بعد العاشرة فإن الطفل يدخل مرحلة المراهقة، ذكرا كان أم أنثى، ويبدأ في التمرد، ولا يعود في مستطاع الأم أن تفرض القوانين وحدها، ويصبح غياب الزوج واضحا.

في عمر المراهقة يجب أن تنتقل السلطة من الأم الى الأب. وهنا يجد رعد الحل في التواصل اليومي بين الوالد المهاجر وبين الأبناء، عبر الهاتف اذا أمكن. وينصح أنه اذا كان الأب يملك 30 يوم عطلة في السنة يجب ألا ينفقها في زيارة واحدة، بل يقسمها الى زيارات عدة، حتى أنه ينصح بجعل الزيارات تقسم على 15 زيارة مدة الواحدة منها يومين، لأن هذا يقلل من فرص التباعد ويبقي الوالد على اطلاع على أحوال الأطفال ومشاكلها وتفاصيل حياتهم ويبقيه مقربا منهم لا بعيدا كالمسافة التي تفصلهم، بدلا من أن يغيب عاما كاملا فيكون كل شيء قد تغير في غيابه.

الجنس

من ناحية أخرى فأن كثرة الزيارات تعوض النقص العاطفي والجنسي لدى الزوجة، التي قد لا تستطيع الصمود من دون رجل، وهو أيضا قد لا يستطيع الصمود من دون زوجة. ويحيك هنا رعد عن كثرة الخيانات التي تتحدث عنها زوجات رجال مهاجرين يتعالجن لديه. ويقول ان لا علاقة للتدين او الفلتان بهذا الأمر، لأان المرأة قد تكون متدينة جدا، مسلمة أو مسيحية وتصل في النهاية الى ان تطور علاقة صداقة ببأحدهم الى علاقة عاطفية ثم جنسية. وبالطبع يفترض أن الرجل يقوم بالأمر نفسه في المهجر.

ويسأل رعد: اذا كانت المرأة تغرا لأن زوجها عاد متأخرا الى المنزل، وهو أيضا، فكيف بالأمر اذا غاب عاما، وهي كذلك؟

العشّ الفارغ

أما عن تداعيات خروج الأولاد من عشّ الأسرة إلى فضاء العالم، أن في هجرة أو في سفر، لأجل العلم أو العمل، فيرى رعد أن الآثار النفسية لدى الطرفين، المهاجر من جهة والذي يبقى في لبنان منتظرا ووحيدا من جهة أخرى، لا تختلف كثيرا.

ويسمي ما يعانيه الأهل حين يسافر أولادهم بـ"عوارض العشّ الفارغ"، كما حين تربي العصفورة أطفالها وحين يقوون على الطيران يتركون العش ويطيرون.

ويشدد على أن المشكلة الأكبر تكون لدى الوالدة، إذ أنها هي التي تكون أقرب الى الاطفال من الزوج. ويشبه ما تعانيه حين تخسر ابنها في السفر بما يعانيه الرجل اذا خسر عمله، لأن اولادها وعائلتها هو ما عملت لأجله طوال حياتها، في حين أن الرجل يأتي عمله في المرتبة الأولى ثم يأتي من بعدها العائلة.

لكن المشكلة تقع على كلا الوالدين حين يهاجر الأبناء، لأنهم ينتبهون فجأة الى أنهم أنفقوا عشرين عاما من حياتهم في تربية الأولاد، حتى ما عادوا يعرفون كيف يعيشون من دونهم وكيف يخرجون في نزهات وحدهم من دون جلبتهم وكيف يمضون الوقت في المنزل من دونهم.

هنا على المرأة أن تتذكر حياتها السابقة على الزواج، وأن تعيد إحياء صداقاتها ومشاريعها مع صديقاتها وأصدقائها، وأن تعطي معنى لحياتها كامرأة من جهة وكزوجة من جهة أخرى، بدلا من دورها كأم طوال السنوات العشرين الأخيرة. وعلى الرجل أن يفعل الأمر نفسه، خصوصا اذا كان وصل الى سن التقاعد ولم يعد يعمل.