|
حلقة "وجوه واماكن" – 17 كانون الاول / ديسمبر 2007:
بكل المقاييس كانت حلقة ( الأعياد ) متميزة ، بها جهد واضح في اختيار
الموضوعات التي لا علاقة ببعضها البعض ، والتي اعتمدت في تأطيرها عبر
الحلقة على عنوان أحلام وأماني تتحقق عبر برنامج سيره وانفتحت.
اختيار الموضوعات والأشخاص ، كان غريبا نوعا بالنسبة للمشاهد العربي ،
فأن تقوم طفلة في العاشرة من عمرها على أداء حركات ( الجمباز ) في
استديو سيرة وانفتحت كان أمرااستثنائيا وغير مسبوق.
وأن تتحقق لشاب أمنيته في الإلتقاء بزافين مع ما حملته تلك الفقرة من
مقالب طريفة كان بطلها زافين ، كان أمرا آخر مّز الحلقة وصبغ البرنامج
بروح من العفوية وهو البرنامج الذي طالما طبعت معظم حلقاته ونقاشاته
وطروحاته وتقاريره وضيوفه الجدية والانضباط.
حلقة كانت ممتعة ، مشوقة ، مفاجئة ، وغريبة نوعا ما ، طابعها المرح ،
وحالة غير طبيعية من التألق والحيوية والنشاط والمشاكسة لمقدم
البرنامج ( زافين قيومجيان ) الذي بدا في حالة مزاجية عالية ، أضفت على
أجواء الاستديو ، نوعا من الحماس الملحوظ ، وأكدت أن مقدم البرنامج هو
الترمومتر الحقيقي لنبض الحلقات التلفزيونية ، وأن المقدم الذكي قادر
على أن ينقل أجواء الحلقة إلى المشاهد ، وأن يجعله جزءا مما يحدث في
الأستديو.
وأهم الفقرات التي قدمها البرنامج في حلقته ، مفاجأة بعض أعضاء نادي
أصدقاء الرسوم المتحركة، بالشخصيات الحقيقية التي قامت بالأداء الصوتي
لأشهر الشخصيات الكرتونية في فترة الثمانينات ، وهي الفنانة اللبنانية
ألفيرا يونس ، والفنان وحيد جلال.
لم أستطع إلا أن أكون جزءا من تلك الفقرة بالتحديد ، فلم أتخيل يوما أن
يكون ارتباطنا ونحن أطفالا بحلقات وشخصيات الكرتون كان جزءا من ارتباط
جمع معظم الأطفال في كل مكان من الوطن العربي.
الرسوم المتحركة في تلك الفترة كانت بالنسبة لنا عالما سحريا ، وأصوات
تلك الشخصيات اختزلتها الذاكرة والوجدان ، حملت لنا ( أفلام الكرتون)
قيما كثيرة وأثرت في طريقة تفكيرنا ، اندمجنا في عالمها ، وصاغت
خيالاتنا ، وأحلامنا.
إن تلك الفقرة بما حملته من أراء ومن أسئلة ، ومن نقاش ، تطرح قضية
مهمة لا يمكن تجاهلها وهي تأثير أفلام الكرتون على السلوك الإنساني
وعلى النمو العقلي والعاطفي للطفل ، وذلك العنوان بحاجة إلى دراسة
وأبحاث تجري من خلالها المقارنة بين ما قدمته لنا أفلام الكرتون ، وما
تسرقه من براءة طفل اليوم ، وما تغرسه من قيم عدوانية وسلوكيات سلبية
في أفعاله وطريقة تفكيره.
الفقرة الأخرى التي توقفت عندها في الحلقة هي تلك الطفلة الصغيرة التي
جاءت من الأردن وحيدة ، لتشارك في البرنامج ، فطريقة تفكير الطفلة ،
ودوافعها في الاشتراك تكشف عن طفلة موهوبة وذكية ، فهي تتساءل : لم لا
يكون لدينا في الأردن برنامج يكشف عن المواهب كما في أمريكا !!! وهي
تقول عن موهبتها ومهارتها في الجمباز: إنني أستعرض موهبتي لأفكر دائما
بان هنالك من هم أقل حظا مني في الحياة!
حوار بسيط جدا ، كان أهم من عشرات الحوارات التلفزيونية السطحية
والمملة والتافهة التي تملأ ساعات البث التلفزيوني عبر مئات الفضائيات.
تفكير طفلة يسبق تفكير الكثير من الراشدين ، كانت وبالرغم من صغرها
بحجم المكان.
ما لم يكن مناسبا للحلقة هو استضافة أحد الكتاب السعوديين الذي حضر
لبيروت لتوقيع روايته الجديدة ، التي تصور الوجه الآخر للسعودية.
إنني أظن أن ذلك الإحتفاء لأي قلم سعودي جديد يتطرق للحياة هناك بطريقة
مختلفة ، له أسبابه التي لا علاقة لها بمستوى الأدب المقدم ، وبأن
الفرص والدعاية التي تحظى بها مثل تلك الأقلام ، ليس بسبب موهبتها أو
قيمة ما تقدمه ولكن لأسباب مختلفة تماما منها الأسباب المادية ، فليس
هنالك أسرع من أن تقدم رواية مثيرة للجدل أو الرفض ، لتبلغ مبيعاتها
أرقاما غير مسبوقة لا سيما لدى شعوب لا تقرأ هي الشعوب العربية.
وكان غريبا ومرفوضا أن يركز زافين على صفحتين تحديدا من الكتاب ، وينوه
بطريقته إلى استخدام الكاتب لألفاظ ( خارجة ) في تلك الصفحتين
بالتحديد !!!!
لم تكن هنالك علاقة مباشرة بين هدف الحلقة وذلك الجزء منها ، وحتى
تأطيرها تحت عنوان الأحلام والأماني لم يكن مناسبا لها ، وشخصيا لم
تقنعني فكرة أن المؤلف لم يشاهد زافين من قبل كسبب لاستضافته والترويج
لكتابه بتلك الطريقة المباشرة التي يتمناها أي مؤلف آخر جدير ومغمور
يبحث عن فرصة الظهور.
كان هنالك تناغم في الحلقة ، حتى تلك الفقرة التي انتهى بها البرنامج.
ولكنها أي تلك الحلقة في رأيي واحدة من أهم حلقات البرنامج على الإطلاق
، وقد قدمت زافين بصورة جديدة كليا ، كما أنها خلصت البرنامج من ثقل
الرتابة ، والروتينية.
وأطلقت العنان لخيال المشاهد لكي يحلم ويتمنى ، انطلاقا من دعوة زافين
بأن لا نستهين بأحلامنا ولا نستصغرها مهما كان حجمها فليست هنالك أحلام
صغيرة.
إنني أشارك زافين تلك الدعوة بأن نطلق العنان لأحلامنا ، وأن لا نتخلى
عنها ، وأن نعيش لنحلم ، فمساحة الحلم هي المكان الوحيد الذي نستطيع أن
نكون فيه أنفسنا ، نحلق فيه بدون حدود فلا أحد يستطيع أن يصارعنا
الحلم لكي يغلبه أو ليسرقه.
أحلامنا شيء خاص ونفيس ونادر ، وقد نكون أفضل إذا حلمنا وقد يكون
عالمنا أجمل إذا كانت علاقتنا بتحسينه هو الحلم فلطالما أنجبت الأحلام
الصغيرة أفعالا كبيرة. |