|
ملخص تنفيذي
لدراسة الجامعة الاميركية في القاهرة
كما قدمت في مؤتمر دبي حول
توجهات العطاء العربي: من العمل الخيري إلى التغيير الإجتماعي
بسبب المشاكل الإجتماعية الملحة وزيادة الثروات في المنطقة
العربية تحرك جيل جديد من اللاعبين بوضع مواردهم في خدمة
الصالح العام، ويعرف هذا النوع من المشاركة التطوعية التي تهدف
إلى خدمة المجتمع بـ"العطاء الإجتماعي" وهو أمر قديم ومهم في
الثقافات العربية، ومما يدعو للإهتمام في عصرنا أن هذا العطاء
الغير حكومي يتحول بصور متعددة ليصبح عطاءا مؤسسيا وأن العطاء
الإجتماعي المحلي يتزايد من حيث إستراتيجية أهدافه –
والإستراتيجية هنا تعني إستغلال الموارد من أجل معالجة الأسباب
الكامنة للمشاكل الإجتماعية المهمة.
تعطي دراسة توجهات العطاء العربي: من العمل الخيري إلى التغيير
الإجتماعي نظرة عامة للعطاء العربي في ثمان دول هي مصر
والمملكة الأردنية الهاشمية ولبنان وفلسطين والإمارات العربية
المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية والكويت، وتهدف
الدراسة إلى توثيق الصور المتنوعة الحالية للعطاء الإجتماعي
المؤسسي بالإضافة إلى تقديم المقترحات بشأن كيفية زيادة تأثير
العطاء الإجتماعي.
وقام فريق البحث بتعريف "العطاء الإجتماعي" من أجل أغراض هذه
الدراسة على أنه العمل المؤسسي في جمع وتوزيع الموارد الخاصة
بهدف بناء القدرات وتحقيق التمويل المستدام والخبرة من أجل
تغيير إجتماعي طويل المدى، أما بالنسبة لتحصيل البيانات فقد
كان عن طريق مقابلات شخصية مع أعضاء العائلات المالكة ورواد
العطاء العربي ومديري مؤسسات حديثة وقديمة ورجال أعمال وصحفيين
ومسئولين حكوميين وأعضاء المجتمع المدني وأصحاب الخبرة في
المجال.
وتظهر نتائج الدراسة أن العطاء الإجتماعي المؤسسي ينمو بسرعة
في المنطقة، ويظل الدافع الديني للعطاء قويا حيث يقوم كلا من
الأغنياء وأصحاب الدخل المتواضع بإعطاء المحتاجين، وأصبحت
الحكومات تعي الفوائد الكامنة في توسيع المشاركة المدنية وكذلك
أصبح رواد الأعمال بالقطاع الخاص يرون أهمية إستثمار ثرواتهم
في المجتمع، وعلما بأن هذه الدراسة ما زالت غير مكتملة فإنها
تعد المحاولة الأولى لتوفير رصد لخريطة العطاء الخاص في
المنطقة العربية.
لقد تم تحديد عدة إتجاهات عامة بناءا على البيانات التي جمعها
المؤلفون، ومن أهم الإتجاهات تصاعد النشاط المدني بين أنجح
وأغنى رجال الأعمال الذين يضيفون الإبداع لأهداف العطاء
التقليدية، وهؤلاء أيضا يعدوا روادا من حيث تنظيم العطاء حتى
يصبح مؤسسي ومستدام وإستراتيجي، ويتمثل هذا في إرتفاع عدد
المؤسسات المدعومة بالأوقاف التي تأسست في المنطقة خلال العقد
الماضي، ومن أمثلة هذه المؤسسات "مؤسسة ساويرس" في مصر التي
تأسست في 2001 و"مؤسسة محمد بن راشد المكتوم" التي تأسست حديثا
في مايو 2007 في الإمارات العربية، ويتزايد أيضا العطاء الذي
يعبر الحدود حيث يقوم رواد العطاء بخلق طرق لتسجيل مؤسساتهم في
الخارج من أجل تيسير العمل في المنطقة في الحالات التي لا تسمح
فيها سياسات الدولة أو السياسات الدولية بقيام المؤسسة في
الوطن الأم.
ومن الإتجاهات المهمة كذلك زيادة الشراكة بين القطاعين الخاص
والعام، لقد أدركت الحكومات العربية المميزات التي تتحقق عندما
تشترك مع رواد العطاء في القطاع الخاص من أجل معالجة التحديات
المحلية، ومن الظواهر التي تستدعي الذكر هو ما أسميناه "مؤسسات
الشراكة العامة-الخاصة" ومنها "مؤسسة الإمارات" ومقرها أبوظبي،
وتقوم هذه المبادرات على مساهمات مالية من كيانات حكومية أو
شبه-حكومية وكذلك من القطاع الخاص ويتفق الأطراف على شروط تعظم
قدرتهم على التأثير في القضايا المستهدفة.
ويتزايد أيضا في وقتنا هذا العطاء الجماعي على نطاق أصغر في
مستوى المجتمعات والدعم العام للقضايا الإجتماعية ويتمثل هذا
في زيادة "المؤسسات الأهلية" وتأثيرها في تعبئة الطاقات
المحلية من أجل حل المشاكل المحلية، وتأتي مبادرات العطاء
الأهلي من ممولين متعددين يقومون بتوحيد مواردهم المالية من
أجل قضية محلية مشتركة، فهذا النوع من العطاء يحاول أن ينشر
التضامن والمشاركة المدنية في داخل المجتمع عن طريق الالتفات
إلى الإحتياجات الأكثر إلحاحا، ومن الأمثلة على تعبئة موارد
كبيرة محليا "مركز الحسين للسرطان" في الأردن و"وقفية المعادي"
في مصر و"دبي العطاء" في الإمارات العربية.
وأما عطاء الشركات فقد أصبح قوة عظيمة تدفع التغيير الإجتماعي
وتتواجد في كل البلاد المشمولة في الدراسة، وتختلف طبيعة عطاء
الشركات من شركة إلى أخرى فبعض الشركات تعطي ضمن وحدات
"مسئولية الشركات الإجتماعية" في حين تقوم شركات أخرى بإنشاء
كيانات مستقلة من أجل العطاء.
ومن صور العطاء المؤسسية أيضا التي تتواجد في عدة بلاد من تلك
المشمولة في الدراسة ما أسماه مركز جيرهارت "مؤسسات الشلة"،
وفي هذا النموذج يقوم إثنان أو أكثر من أصحاب الأعمال بضم
مواردهم من أجل معالجة قضية إجتماعية مشتركة، ومن أقدم أمثلة
هذه الفئة "مؤسسة التعاون" في فلسطين التي يصل عمرها إلى 24
عاما والتي قامت بين عام 1983 و1996 بتوزيع 1200 منحة قيمتها
90 مليون دولار لتمويل 1307 مشروع، أما الأمثلة الأحدث فتتضمن
"بنك الطعام" في مصر و"الرواد" في الأردن التي تأسست تحت قيادة
شركة "أرامكس".
وكما أن قطاع العطاء يشهد نموا في مستوى المؤسسية وأحجام
المشاريع ودرجة التأثير فإن التوقعات بالنسبة للعوائد على
الاستثمار الإجتماعي أيضا تتصاعد، ويعني هذا أن حصول مجموعات
المجتمع المدني على مصادر التمويل الحديثة يتطلب منهم أن
يحدثوا تحولات في أساليب عملهم وإدارتهم الداخلية، ففي الأردن
ومصر وفلسطين ولبنان مثلا – حيث تتواجد المجتمعات المدنية
الكبيرة والنشطة – أصبحات المؤسسات المدنية أكثر شفافية، فإنهم
يتعرضون لضغوط من أجل القيام بعمل أفضل في قياس مدى تأثيرهم
وفي الإبلاغ عن حالات النجاح وحالات الإخفاق، وما زال الطريق
طويل بالنسبة للنهوض بمستويات العمل المدني ولكن التغيير يحدث
بالفعل، وهناك كم أكبر من رواد العطاء الذين يعملون مع مؤسسات
المجتمع المدني ويقدمون لهم خدمات الإدارة وغير ذلك وهذا كبديل
لقيام رواد العطاء أنفسهم بإدارة المشاريع.
ومن نتائج الدراسة الرئيسية كذلك قدرة الإطارات القانونية التي
تحكم المبادرات الخاصة على دعم أو إعاقة العطاء الإجتماعي، ففي
كل البلاد تقريبا نجد أن قانون المجتمع المدني يمثل قيودا تمنع
المشاركة المدنية الكاملة في تنمية المجتمعات، فمثلا تأميم
الممتلكات أو التدخل في شئون مجالس إدارة المؤسسات الخاصة
أمورا تبقى في الذاكرة العامة وتخيف بعض الذين قد يبنون مؤسسات
مدنية مؤثرة في أوطانهم، ومن الأساليب التي تسمح للبعض بتجاوز
القوانين المقيدة هو اللجوء إلى القرارات الأميرية أو إلى
تشريعات إستثنائية أخرى، وهذه الممارسات بحاجة إلى أن تستبدل
بإصلاح لنظم التشريع يستمد من النماذج الناجحة في دول أخرى.
لقد بات واضحا أن العطاء الإجتماعي المؤسسي يتقدم وينتشر في
العالم العربي، إن العطاء الخيري يتم توسيعه بالعطاء الذي يهدف
إلى التنمية والتغيير والإدراج الإجتماعي، وقد اصطحبت الزيادة
في الثروات معها زيادة في العطاء وفي الوعي بأهمية المشاركة
المدنية والتغيير الإجتماعي المستدام.
وحتى تكتمل الصورة المقدمة في هذه الدراسة سيتم توسيع التغطية
في دراسات لاحقة لتشمل بلاد أخرى ولتشمل عطاء عرب المهجر وكذلك
ظهور المؤسسات العربية القومية، وتوجد الحاجة أيضا للمزيد من
التحليل حتى نجيب عن التساؤلات المهمة بشأن مدى تأثير العطاء
الإجتماعي في المجتمعات التي يستهدفها، فقد كانت أهدافنا
متواضعة في هذا التقرير الأول وتحققت بالإشارة إلى أهم فئات
العطاء الإجتماعي وإلقاء الضوء على الظواهر الرئيسية الناشئة،
وفي حين أن الدراسة وجدت فروقات كبيرة في البلاد المشمولة فمما
لا شك فيه أن العطاء العربي يمر بمرحلة نهضة في كل مكان وبسرعة
كبيرة ومتزايدة. |