(الناقد مشاهد : علي العزير (حزيران \ يونيو

مدخل لابد منه بقلم علي العزير:

عندما عرض علي زافن فكرة كتابة بعض المتابعات النقدية لمجموعة من حلقات برنامجه "سيرة وانفتحت" لنشرها على هذا الموقع الالكتروني، استحوذت علي الفكرة، فالأمر ليس مألوفا إذ جرت العادة أن تكون العلاقة بين مقدم البرنامج، وبين المتابع النقدي للأعمال التلفزيونية متسمة غالبا بحالة من انعدام الود.

أذكر أن زافن نفسه كان خصص إحدى حلقات برنامجه لمناقشة مشروعية المحاكمة التي يمارسها الإعلام المكتوب بحق نظيره المرئي، فما الذي تغير؟

الأرجح أننا نحن فعلنا ذلك، أي أنا وزافين، وانتم أيضا قراء ومشاهدين، تغيرتم بعد أن شاهدتم وقرأتم، وعبرتم ذات مرة عن الانحياز للمرئي، ومرة أخرى عن التأييد للمكتوب، وربما ضقتم ذرعا بالاثنين في حالات كثيرة..

جربنا التنافر والتباعد الى حدود التخاصم في ما مضى، ما الضير في أن نحاول تعايشا مع الاحتفاظ بمشروعية التباين في الآراء والرؤى؟

أعتقد أن الفكرة تستحق التجربة. والمناسبة، على ما أرى، تستوجب كشفا للسر في سياق الاحتفاء: عندما اقترح زافن فكرته، ألحقها بالإشارة الى انطوائها على موقف جريء من جانبه، وهو محق، فان يتولى المقدم التلفزيوني تحريض الناقد على تناول أعماله، ثم يستضيف النقد على صفحة برنامجه الالكترونية، أمر يتطلب شجاعة أدبية، دون شك..

لكن الجرأة المطلوبة من الناقد ليست أقل شأنا، ذلك أن عليه ابتكار أسلوب المواءمة بين سلاطة اللسان النقدي من جهة، وبين لياقة الضيف من جهة أخرى، ولعل أفضل ما يسجل للتجربة في حال نجاحها هو اعتراف طرفيها القاطع بأن المتلقي، قارئا ومشاهدا، هو المرجع الصالح للفصل في هذا النزاع الحيوي والضروري.. و المأمول منه أن يكون مفيدا..


حلقة "عاقل يسمع" - 4 حزيران \ يونيو 2007:

حلقة "عاقل يسمع" التي هي الرابعة من  ضمن السلسلة التي حملت عنوان "خمسة بواحد"، أي أنها تتضمن خمسة مواضيع لا يحتمل أحدها أن تخصص له حلقة كاملة هي تجربة  تعكس سعي  البرنامج الى تجديد ذاته، ضمن الحفاظ على ثوابت متصلة بأطره العامة، أي أن يبقى ملتزما بسمات هويته التقليدية، مع إدخال بعض التعديلات على النسق المعتمد في سياق فقراته المكونة.

التجربة تعكس رؤية جديرة بالاهتمام، عنوانها الأبرز التنويع من ضمن الوحدة، والمؤكد أنها تسلط الضوء على طابع المرونة الذي تتسم به طبيعة "سيرة وانفتحت"، لجهة القدرة على التباين والتجدد، دون ممارسة التنكر لأصل الفكرة الناظمة، والمتجسدة بصورة إعادة صياغة العادي واليومي وفق أسلوب مثير أحيانا، ومغاير دوما.

كل سيرة مهما بدت محايدة، تبقى قابلة لأن تفتح على دهاليز وكواليس، يتواصل في سياقها النفسي مع الاجتماعي، وتتضارب ضمن تفاصيلها المشاعر الإنسانية مع المصالح المادية.

حدث وفاة أحد الأطفال في دار للحضانة، مختنقا بطعامه، يعني أشياء متعددة، ومتناقضة بالنسبة لكل جهة من الجهات المعنية بالمأساة، هو فجيعة للأهل الذين خسروا بوفاة طفلهم فرحتهم البكر، وهو قضية مهنية مجردة بالنسبة الى الأطباء، كما بالنسبة الى المحامين، وهو أيضا حادثة مزعجة بالنسبة الى دار الحضانة، ينبغي التخلص من تداعياتها بأقل الأثمان كلفة.

أما المشاهدون فهم أمام فرصة لتفاعل وجداني مبني على أحاسيس متناقضة، ثمة تعاطف مع ذوي الضحية، يوازيه شعور مضمر بالارتياح لكون الفاجعة قد حلت بآخرين.

في الموجة الجديدة من "سيرة وانفتحت" ابتعاد عن منصات الخطابة التي كانت قائمة داخل الأستوديو لتعزيز حضور التحقيقات الخارجية، كذلك هناك تحرر من الرصانة المتجهمة لصالح بعض الطرافة التي تتطلبها اللحظة، الفقرة المتعلقة بظاهرة السيارات التي يكثر استخدامها الى حدود مرضية في مجتمعاتنا، تحيلنا الى طرائف وأغان والى نماذج بشرية مثيرة للالتباس في تصرفاتها كما في مشاعرنا حيالها: هل لنا أن نتعاطف مع تمردها المحبب والمحرض، أم علينا واجب إدانة سلوكها الخارج عن مألوفنا الجماعي؟!

البرنامج لا يسعى للمحاكمة بقدر ما هو ينحاز للبوح المحايد، الذي يستسيغ طرح الأسئلة أكثر مما هو يدعي امتلاك أجوبة لها. هل يكفي ذلك؟ مسألة تحتاج الى نقاش.

يمكن التوقف كذلك عند إصرار زافن على تأطير وإبراز كل ما يبدو عابرا، بصورة المكتنز لأبعاد ودلالات متجاوزة للعادي. ماذا لو حاولنا استنطاق عادة تبادل القبل البريئة، المعبرة عن التواصل الحميمي بين الناس؟

البديهي أننا سنقع على سمات اجتماعية مميزة للمجوعات البشرية المتعددة، في لبنان ثمة قاعدة تتولى تنظيم هذه السلوكية، بالرغم من طابعها الشخصي، قبلات ثلاث يتبادلها المشتاقون، تختلف نوعياتها باختلاف أجناسهم، مرة أخرى انه العادي تجري مقاربته بطرائق غير عادية.

لكن حيادية الفتاة التي جسدت المشهد التمثيلي مع زافن، الى حدود الصنمية، كانت غير عادية هي الأخرى، فهل اكتفى صاحبنا بطاقته في الأداء، وأهمل الشريكة؟

الأعمال التي تحتاج اثنين يصعب لواحد بمفرده ان ينجزها، مهما آمن بقدراته.

بين ما تضمنته الحلقة كذلك حكاية التنافس التقليدي بين طلاب الفرعين العلمي والأدبي في المرحلة الثانوية، سجال سرعان ما تتوسع أبعاده ليطال المسافة الفاصلة بين جبران خليل جبران وألبرت آينشتاين، وهو يؤول في نهايته الى تساؤل: اذا كانت النفس البشرية مفطورة على الرغبة في الاختلاف، فلماذا لا نختار الصراعات غير الدموية كوسائل  لإشباع حاجاتنا الخلافية؟

صخب الطلاب المتجادلين حول انتماءاتهم الدراسية، بدا خافتا بالمقارنة مع ما تشهده الساحات من حولنا وحولهم من زعيق سياسي ذي نبرة غير مسبوقة، كذلك بدت حلقة "سيرة وانفتحت" اقرب الى صرخة مخنوقة في برية السجال المتفجر الذي يدوي على شرفات الوطن، وفي مداخل القلوب والعقول. فهل يصلح برنامج تلفزيوني ما أفسدته دهور السياسة؟ انه موقف لا يحسد زافن وزملاءه من مقدمي البرامج عليه.

السيرة انفتحت مجددا على حكاية الشقيقين دانيال وخوسيه، حيث كانت الفقرة المخصصة لهما بمثابة عمدة الحلقة، لجهة الوقت المستغرق منها.

حكاية الشقيقين تضمنت سيرة متخيلة لحياتهما، يسردها دانيال بأسلوب مثير للدهشة، بقدر ما هو مفتقد للأمانة والصدق.

مبالغات مذهلة يرويها الشاب الذي لا تعوزه المخيلة الخصبة: إتقان لمعظم لغات الكرة الأرضية، احتراف لعدد لانهائي من المهن، امتلاك لكم مذهل من المواهب، وأيضا إطلاع مباشر على مختلف الحضارات المعاصرة.

الفقرة بدت أقرب الى وسيلة للتندر على مبالغات الشقيقين، اللذين نكتشف في النهاية أنهما مجرد عاملين في فرن للمناقيش (رحم الله أبا الجواهر في مسرحية "فيلم أميركي طويل" لزياد الرحباني). لكن الاكتشاف لا يعفي من طرح التساؤل عن سبب إدراج هذه الفقرة في طليعة سلسلة خاصة من البرنامج، وهو إضفاء  لم يخدم الحلقة، ولم يساهم في  تسليط الضوء على نواحي التجدد المفترضة، بقدر ما بدا مستلهما لخدع مبتدئة من ألاعيب الكاميرا الخفية. كذلك ماذا لو كان دانيال وخوسيه مريضين نفسيين؟ هل يحق للبرنامج ولمشاهديه التندر على  حالتهما؟


حلقة "امتحانات اخر السنة" - 11 حزيران \ يونيو 2007:

الزميل زافن:

رأيت ان أخاطبك بصورة شخصية، ربما إحساسا مني أن للمرحلة الراهنة خصوصية تستدعي تجاوز الأطر التقليدية للتفاعل بين المشاهد وبين المشهد التلفزيوني.

لمرة نادرة، ودون ان أتعمد ذلك، رأيتني خلال متابعة الحلقة الماضية من برنامجك، أستشعر بعدا إضافيا للأزمة التي نعاني منها جميعا، والتي انعكست على برنامجك وفق آلية ألزمته بالخروج عن سياقه التقليدي، لتدفع به نحو اللهاث خلف التطورات المستجدة.

لم يسبق لسيرة وانفتحت، على حد ما أعرف عنه، أن ناقش قضية بهذا القدر من الآنية والمباشرة، أي مسألة العام الدراسي، وإمكانية استكمال المدة المتبقية منه، في ظل التطورات الأمنية الضاغطة. كما لم تبد الحلقة وثيقة الصلة بمثيلاتها، وهذا يكاد يكون حالنا جميعا اليوم، إذ يتعين علينا إجهاد أنفسنا لفهم الحاضر، ناهيك عن غدنا والمصير، لقد تغيرنا، وما كان جائزا أو مطلوبا بالأمس، لم يعد كذلك اليوم. لهذا رأيت أن أخاطبك بهذا الأسلوب المباشر، الذي لم نألفه سابقا، انسجاما مع التغيير الحاصل.

زافن :عندما استمعت الى الإعلان الترويجي للحلقة، تساءلت ما الذي يحاول الرجل فعله؟ هل سيكتفي بأن تكون حلقته جزءا من نشرة الأخبار؟ مقابلة مع وزير التربية تطمئن المواطنين (وتقلق بعضهم) ليمرر الوزير من خلالها رسالة مفادها أن الامتحانات الرسمية ستجري في مواعيدها المقررة؟

إلا أن مسار الحلقة أزال بعض مخاوفي، وان كان عزز غيرها.

لا بد من الإشارة بداية الى مفاجأة تجسدت في الأداء المميز لمعالي الوزير قباني، الذي بدا هو الآخر مغايرا لنسقه المألوف، كان أكثر حيوية من المعتاد، وأكثر حماسة مما يبدو عليه في الحالات الطبيعية، ظهر بمظهر المدافع عن قضية، أكثر منه وزيرا معنيا باستحقاق منصبه.

تدريجيا كانت الإيحاءات تتسلل الى دواخلنا، وكان العنوان الذي اختارته الحلقة لنفسها يتشعب ويتداخل مع أبعاد حقيقية بقدر ما هي مستترة، فأن تتأجل الامتحانات الرسمية، في هذا الظرف الاستثنائي يعني رضوخا لمشيئة الجهات الواقفة خلف عملية التأزم، ويعني استطرادا قرارا واعيا بالتخلي عن إرادة الحياة الطبيعية، ويعني أيضا إضافة "المؤامرة" الجديدة، الى سلسلة المؤامرات التي تكاد تكون بالنسبة لنا نوعا من الثروة الطبيعية.

تدريجيا كنا ندخل الى جوهر المعضلة، معضلة أن نكون كما نريد، أو كما يراد لنا أن نكون. وكان يتأكد أمامنا أن ما افترضناه بداهة يؤول في الظروف الاستثنائية الى إنجاز يحتاج تحقيقه الى جهود، وان الامتحان الرسمي ليس مجرد خاتمة تقليدية لسنة دراسية، لكنه، في زمن الاستثناء، إشارة الى استمرار الحياة في الجسد الجماعي المشظى والمدمى.

باختصار تفاعلت، وأحسب ان كثيرين من المشاهدين فعلوا ذلك، مع حراك الهواجس الذي أثارته الحلقة، بالرغم من أحساس أولي بهزالة العنوان، وكنا خلال الفترة التي استغرقها النقاش موزعي الأحاسيس بين حماسة الوزير وإخلاصه لفكرة بقاء الوطن، من خلال استمرار الحياة في شرايين مؤسساته، وبين مشروعية القلق الذي أبداه الطلبة، وأولياء أمورهم ، حيال قرار تحويلهم الى جنود ردفاء تحت وطأة الظرف القاهر.

لقد أدخلتنا في اطار من فوضى المشاعر، ولك ان تتباهى في ذلك اذا شئت، لكنني، في المحصلة، قررت الاتكاء على بعض ما أوحت به الحلقة، لأسألك:

هل تبرر قساوة الظرف هذا التعديل الجوهري في شخصية برنامجك، بحيث تدفعك نحو شيء من التنكر لمسيرتك المهنية؟ 

وهل المطلوب من الجميع أن يتحولوا الى جنود يرددون شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"؟ أيضا ألم ينتابك مجرد ظن بأن "المؤامرة" إياها قد تكون ترمي، في جملة استهدافاتها، الى إقصائنا عن ممارسة الحياة الطبيعية، والتفرغ للدوران في المتاهة الجوفاء؟

وأسالك: هل كانت الصور التي عرضت خلال الاستراحة الإعلانية لشابين مضت على صلتك بهما مدة طويلة، وتنوي استرجاعها الآن، هل كان ذلك بمثابة الشكل الوحيد المتاح لتضمين الحلقة جرعة من الإثارة؟ هذا ما تبادر الى ذهني على الأقل.

أختم بالقول: قد يكون ملحا السعي الى البقاء بأي ثمن في موسم الانهيارات الكبرى، لكن التحدي الحقيقي يظل عنوان النجاح، تحدي أن نكون نحن، وليس أن نستجدي حضورنا من الظروف.


حلقة "أنا الآن 8: لبنان خلال سنة" - 18 حزيران \ يونيو 2007:

زافن مجددا:

عندما شاهدت حلقة "أنا الآن" من برنامجك "سيرة وانفتحت" خطر ببالي سؤال خبيث: ماذا لو أعطينا زافن كاميرا اليوم، وطلبنا منه أن يتحدث لها بما يجول في نفسه، في جوف الليل، أي عندما يكون الهدوء مخيما، ومحرضا على البوح بما تخبئه النفوس من أسرار؟

على الأرجح كنا سنحصل حينها على ما لم تستطع هذه السلسلة الطويلة من الحلقات التلفزيونية أن تمدنا به.

ربما كان تحدث المقدم التلفزيوني عن زمن ماض احتل فيه مرتبة طليعية بين زملائه، والبديهي أنه كان سيحيلنا الى حلقات سابقة كانت حافلة بالإثارة، وبقليل من المجازفة في التقدير يمكننا القول أن حديث زافن المنفرد بالكاميرا، سيبتعد قدر الامكان عن  حاضره المهني الذي يمثل مراوحة في المكان الواحد، وفق أقل التوصيفات تطرفا.

الأستوديو الفارغ من الجمهور المألوف كان موحيا بلا شك،هذا شأن الشوارع العامة، ومطارح السهر في هذه المرحلة العصيبة، لكن السؤال يطرح نفسه مجددا: هل البرنامج، والتلفزيون بصورة عامة، هو مجرد انعكاس للواقع المعاش؟ ما فضله حينها، وما مبرر تميزه، وما معنى ان يتصرف أهله بوصفهم نجوما؟ 

ربما أردت من خلال المقاعد الخالية أن توجه رسالة احتجاج، او أن تقيم نوعا من الرابط الرمزي بين الواقع وبين معادله المرئي، وقد تكون ببساطة قررت أن تثير الهواجس حول ما يمكن لوضع معيشي مماثل أن يفعله بعاداتنا اليومية، وكيف يسعه أن يحيل البديهيات الى أمان مستحيلة التحقق.

لكنك في كل ذلك ظللت خاضعا للواقع ومنسجما مع متطلباته، وليس من شأن هذا كله أن يمنحك فرصة الحديث عن تفاعل استثنائي مع حدث، قررت ببساطة التناغم معه، ولو من موقع ضدية مزعومة.

حديث الضيفة د.أنيسة الأمين (التي نسيت اسمها خلال الحوار) كان معبرا من حيث استبطانه قدرا لافتا من الرفض والتمرد، لكن حياديتك المبالغ فيه، والتي لا أعلم الى أي مدى يمكن تبريرها بالدافع المهني، لم تساعد في جعل هذا التمرد سمة الحلقة وعنوانا لها، تلقفت دعوتها أمهات لبنان للاعتصام، لكنك أطلقتها بشيء من البرودة والارتجال كما لو أنها عبء لابد منه، وكان لابد للحلقة من أن تؤول الى مفارقة بفعل تجاوز حماس الضيفة مثيله لمقدم البرنامج، مع أنك صاحب المصلحة الحقيقية في أن يكون برنامجك محرضا، أو على الأقل مساهما، في ابتكار وسائل غير مألوفة للخروج من النفق المغلق والمظلم.

أميل الى الظن، وبعضه إثم كما تعلم، أنك أقدمت على إنجاز الحلقة وفي حسابك أن الحيز المتاح للتأثير والتغيير ضيق وهامشي، وأن هاجسك كان إعلان البراءة مما يحصل، على قاعدة اللهم اشهد أنني بلغّت، أكثر مما كنت ممتلئا بشعور القدرة على الفعل، وهو إحساس لابد منه لركوب هذا المركب الخطر، ذلك أن المسألة، على ما أرى، تتجاوز حدود تقديم حلقة تلفزيونية مستوفية للشرط المهني.

المتحدثون للكاميرا كانوا مشبعين بروح التحدي، ولعل أفضل ما يمكن استخلاصه من أحاديثهم، هو ذلك القرار العفوي بمواجهة الكثير من الموت الذي وجدوا أنفسهم إزاءه فجأة، تقاطعت مواقفهم عند هذا العنوان دون تنسيق في ما بينهم، وتحول كلامهم، دون قصد، الى تقاسيم متنوعة على ايقاع واحد، كان واحدهم يدرك جيدا أنه ليس وحده في ما يشكو منه، وما يصبو إليه.

ترى ألا يعني هذا الواقع شيئا؟ ألا يصلح للتأسيس عليه في محاولة القيام بفعل حقيقي مضاد لما هو قائم ومرشح للاستمرار؟

وبأوضح أليس من شأن النقمة الواضحة التي طبعت أحاديث الشباب، والتي تجاوزت حدود الآراء الفردية، والنزعات الخاصة، أن تبرر التفكير بما يتجاوز الأستوديو الفارغ الى نقيضه الكلي، أي الى ساحة ممتلئة؟

أترك لك الإجابة.


حلقة "مدمنون" - 25 حزيران \ يونيو 2007:

زافن أيضا وأيضا:

حلقتك الماضية عن موضوع المخدرات تضمنت إيحاءات جديدة بالرغم من أن الموضوع ليس كذلك، وقد سبق تناوله في برامج تلفزيونية متعددة، بينها "سيرة وانفتحت" نفسها. لكن الطريقة التي تعاطت من خلالها الحلقة مع الآفة الممعنة في الاستشراء، برغم تعدد أساليب مكافحتها، كانت مثيرة للاهتمام.

الشهادة التي قدمها أحد المدمنين السابقين تميزت بمستو عال من الجرأة، وبالدقة في وصف معاناته القاسية، وقد بلغ الموقف الإنساني ذروته في القرار الذي اتخذته والدة المدمن، والذي قضى بتسليمه الى الجهات الأمنية المختصة، وإدخاله السجن بهدف المحافظة على حياته. أما مساحة التأمل التي تفرض نفسها على متابع الحكاية المتداخلة بين مأساة وملهاة، فتجسدت في تحول المدمن إياه الى عامل على إنقاذ الضحايا، أي شركاء الأمس، من براثن الإدمان.

كذلك اتسم كلام الضيفة البريطانية التي قفزت من منصة الإدمان الى ساحة المؤسسات المعنية بمعالجة المدمنين، بالكثير من إشارات البوح المعبر والصادق، التي يصعب التصديق أنها تجد مطرحا لها، في مناسبة كهذه. الشهادة أقامت صلة خفية بين مآسي المدمنين، وبين حكايا العشق الآدمي التي اعتدنا متابعتها في القصص الرومانسية وحدها، علاقة الحب التي انطلقت من إحدى المصحات، والتي آلت الى رباط زوجي واثق ومتين، كانت تكفي بمفردها لتشكل موضوع حلقة مستقلة، حلقة تستعرض قدرة العواطف الإنسانية الصادقة، والمحيرة على مواجهة أكثر تعقيدات الحياة صعوبة وقسوة.

يحق للحلقة أيضا أن تعتز بما يمكن اعتباره سبقا مهنيا، من خلال استضافتها لأحد المدمنين الحاليين، الذي أطل بوجهه الصريح، وطرح من الأسئلة والتحديات ما يتجاوز الأطر التقليدية لمقاربة المشكلة. الرجل انتقل ببراعة تسجل له من خانة الدفاع عن نفسه، ومن السعي المعهود الى استدرار العطف الجماعي اللحظوي على كائن بشري مختلف، الى اتهام الآخرين، أي نحن الذين تحلو لنا الإطلالة من بعيد على هموم وقضايا نحسب أنها تخص سوانا فقط. نجح الضيف بوجهه الشاحب، وأطرافه المرتجفة في دفعنا الى الإحساس بالمسؤولية، ولو الجزئية، عما يحصل، عن علاقة تتفاوت في وثوقها، بما يجري، وفي إقناعنا كذلك أن المسألة لا تجد حلها المنشود بمجرد القبض على متعاطي المخدرات، بل لعلها تبدأ من هناك.

أميل الى القول ان الحلقة كانت ناجحة، ليس بالمعايير المهنية وحدها، بل وفق المقياس الإنساني أساسا، لعلها ساهمت في إعادة ترسيم الحدود بين من يتحمل المسؤولية عن القضايا الكبرى، وبين من يحملها لسواه استنادا الى معايير سائدة، بات من الضروري إعادة النظر في مشروعيتها. 


- مقالات محمد الخازم - خاص حلقات الرياض 2008
- مقالات سارة القضاة لحلقات نيسان \ ابريل 2008
-
مقالات نسرين الظواهرة لحلقات اذار \ مارس 2008
-
مقالات غنوة دريان لحلقات شباط \ فبراير 2008
-
مقالات وحيد جميل لحلقات كانون الثاني \ يناير 2008
- مقالات مريم الكعبي لحلقات كانون الأول \ ديسمبر 2007
- مقالات علي زراقط لحلقات تشرين الثاني \ نوفمبر 2007
-
مقالات رحاب ضاهر لحلقات تشرين الأول \ أكتوبر 2007
- مقالات حسان الزين لحلقات أيلول \ سبتمبر 2007
- مقالات جمال فياض لحلقات آب \ أغسطس 2007
- مقالات نادين الاسعد لحلقات تموز \ يوليو 2007
- مقالات علي العزير لحلقات حزيران \ يونيو 2007