|
حلقة "عاقل يسمع"
-
4 حزيران \ يونيو 2007:
حلقة "عاقل يسمع" التي هي الرابعة من ضمن السلسلة
التي حملت عنوان "خمسة بواحد"، أي أنها تتضمن خمسة
مواضيع لا يحتمل أحدها أن تخصص له حلقة كاملة هي
تجربة تعكس سعي البرنامج الى تجديد ذاته، ضمن الحفاظ
على ثوابت متصلة بأطره العامة، أي أن يبقى ملتزما
بسمات هويته التقليدية، مع إدخال بعض التعديلات على
النسق المعتمد في سياق فقراته المكونة.
التجربة تعكس رؤية جديرة بالاهتمام، عنوانها الأبرز
التنويع من ضمن الوحدة، والمؤكد أنها تسلط الضوء على
طابع المرونة الذي تتسم به طبيعة "سيرة وانفتحت"، لجهة
القدرة على التباين والتجدد، دون ممارسة التنكر لأصل
الفكرة الناظمة، والمتجسدة بصورة إعادة صياغة العادي
واليومي وفق أسلوب مثير أحيانا، ومغاير دوما.
كل سيرة مهما بدت محايدة، تبقى قابلة لأن تفتح على
دهاليز وكواليس، يتواصل في سياقها النفسي مع
الاجتماعي، وتتضارب ضمن تفاصيلها المشاعر الإنسانية مع
المصالح المادية.
حدث وفاة أحد الأطفال في دار للحضانة، مختنقا بطعامه،
يعني أشياء متعددة، ومتناقضة بالنسبة لكل جهة من
الجهات المعنية بالمأساة، هو فجيعة للأهل الذين خسروا
بوفاة طفلهم فرحتهم البكر، وهو قضية مهنية مجردة
بالنسبة الى الأطباء، كما بالنسبة الى المحامين، وهو
أيضا حادثة مزعجة بالنسبة الى دار الحضانة، ينبغي
التخلص من تداعياتها بأقل الأثمان كلفة.
أما المشاهدون فهم أمام فرصة لتفاعل وجداني مبني على
أحاسيس متناقضة، ثمة تعاطف مع ذوي الضحية، يوازيه شعور
مضمر بالارتياح لكون الفاجعة قد حلت بآخرين.
في الموجة الجديدة من "سيرة وانفتحت" ابتعاد عن منصات
الخطابة التي كانت قائمة داخل الأستوديو لتعزيز حضور
التحقيقات الخارجية، كذلك هناك تحرر من الرصانة
المتجهمة لصالح بعض الطرافة التي تتطلبها اللحظة،
الفقرة المتعلقة بظاهرة السيارات التي يكثر استخدامها
الى حدود مرضية في مجتمعاتنا، تحيلنا الى طرائف وأغان
والى نماذج بشرية مثيرة للالتباس في تصرفاتها كما في
مشاعرنا حيالها: هل لنا أن نتعاطف مع تمردها المحبب
والمحرض، أم علينا واجب إدانة سلوكها الخارج عن
مألوفنا الجماعي؟!
البرنامج لا يسعى للمحاكمة بقدر ما هو ينحاز للبوح
المحايد، الذي يستسيغ طرح الأسئلة أكثر مما هو يدعي
امتلاك أجوبة لها. هل يكفي ذلك؟ مسألة تحتاج الى نقاش.
يمكن التوقف كذلك عند إصرار زافن على تأطير وإبراز كل
ما يبدو عابرا، بصورة المكتنز لأبعاد ودلالات متجاوزة
للعادي. ماذا لو حاولنا استنطاق عادة تبادل القبل
البريئة، المعبرة عن التواصل الحميمي بين الناس؟
البديهي أننا سنقع على سمات اجتماعية مميزة للمجوعات
البشرية المتعددة، في لبنان ثمة قاعدة تتولى تنظيم هذه
السلوكية، بالرغم من طابعها الشخصي، قبلات ثلاث
يتبادلها المشتاقون، تختلف نوعياتها باختلاف أجناسهم،
مرة أخرى انه العادي تجري مقاربته بطرائق غير عادية.
لكن حيادية الفتاة التي جسدت المشهد التمثيلي مع زافن،
الى حدود الصنمية، كانت غير عادية هي الأخرى، فهل
اكتفى صاحبنا بطاقته في الأداء، وأهمل الشريكة؟
الأعمال التي تحتاج اثنين يصعب لواحد بمفرده ان
ينجزها، مهما آمن بقدراته.
بين ما تضمنته الحلقة كذلك حكاية التنافس التقليدي بين
طلاب الفرعين العلمي والأدبي في المرحلة الثانوية،
سجال سرعان ما تتوسع أبعاده ليطال المسافة الفاصلة بين
جبران خليل جبران وألبرت آينشتاين، وهو يؤول في نهايته
الى تساؤل: اذا كانت النفس البشرية مفطورة على الرغبة
في الاختلاف، فلماذا لا نختار الصراعات غير الدموية
كوسائل لإشباع حاجاتنا الخلافية؟
صخب الطلاب المتجادلين حول انتماءاتهم الدراسية، بدا
خافتا بالمقارنة مع ما تشهده الساحات من حولنا وحولهم
من زعيق سياسي ذي نبرة غير مسبوقة، كذلك بدت حلقة
"سيرة وانفتحت" اقرب الى صرخة مخنوقة في برية السجال
المتفجر الذي يدوي على شرفات الوطن، وفي مداخل القلوب
والعقول. فهل يصلح برنامج تلفزيوني ما أفسدته دهور
السياسة؟ انه موقف لا يحسد زافن وزملاءه من مقدمي
البرامج عليه.
السيرة انفتحت مجددا على حكاية الشقيقين دانيال
وخوسيه، حيث كانت الفقرة المخصصة لهما بمثابة عمدة
الحلقة، لجهة الوقت المستغرق منها.
حكاية الشقيقين تضمنت سيرة متخيلة لحياتهما، يسردها
دانيال بأسلوب مثير للدهشة، بقدر ما هو مفتقد للأمانة
والصدق.
مبالغات مذهلة يرويها الشاب الذي لا تعوزه المخيلة
الخصبة: إتقان لمعظم لغات الكرة الأرضية، احتراف لعدد
لانهائي من المهن، امتلاك لكم مذهل من المواهب، وأيضا
إطلاع مباشر على مختلف الحضارات المعاصرة.
الفقرة بدت أقرب الى وسيلة للتندر على مبالغات
الشقيقين، اللذين نكتشف في النهاية أنهما مجرد عاملين
في فرن للمناقيش (رحم الله أبا الجواهر في مسرحية
"فيلم أميركي طويل" لزياد الرحباني). لكن الاكتشاف لا
يعفي من طرح التساؤل عن سبب إدراج هذه الفقرة في طليعة
سلسلة خاصة من البرنامج، وهو إضفاء لم يخدم الحلقة،
ولم يساهم في تسليط الضوء على نواحي التجدد المفترضة،
بقدر ما بدا مستلهما لخدع مبتدئة من ألاعيب الكاميرا
الخفية. كذلك ماذا لو كان دانيال وخوسيه مريضين
نفسيين؟ هل يحق للبرنامج ولمشاهديه التندر على
حالتهما؟ |